فخر الدين الرازي

153

تفسير الرازي

وقرئ بنصب التاء وحجته قوله : * ( إلا من هو صال الجحيم ) * ( الصافات : 163 ) وقرأ أبو عمرو وعاصم برفع التاء من أصيلته النار لقوله : * ( ثم الجحيم صلوه ) * ( الحاقة : 31 ) وقوله : * ( ونصلوه جهنم ) * وصلوه مثل أصلوه ، وقرأ قوم تصلى بالتشديد ، وقيل : المصلى عند العرب ، أن يحفروا حفيراً فيجمعوا فيه جمراً كثيراً ، ثم يعمدوا إلى شاة فيدسوها وسطه ، فأما ما يشوى فوق الجمر أو على المقلاة أو في التنور ، فلا يسمى مصلى . وقوله : * ( حامية ) * أي قد أوقدت ، وأحميت المدة الطويلة ، فلا حر يعدل حرها ، قال ابن عباس : قد حميت فهي تتلظى على أعداء الله . * ( تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ ءَانِيَةٍ ) * . وأما مشروبهم فقوله تعالى : * ( تسقى من عين آنية ) * الآني الذي قد انتهى حره من الإيناء بمعنى التأخير . وفي الحديث : " أن رجلاً آخر حضور الجمعة ثم تخطى رقاب الناس ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : آنيت وآذيت " ونظير هذه الآية قوله : * ( يطوفون بينها وبين حميم آن ) * ( الرحمن : 44 ) قال المفسرون : إن حرها بلغ إلى حيث لو وقعت منها قطرة على جبال الدنيا لذابت . * ( لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ ) * . وأما مطعومهم فقوله تعالى : * ( ليس لهم طعام إلا من ضريع ) * واختلفوا في أن الضريع . ما هو على وجوه أحدها : قال الحسن : لا أدري ما الضريع ولم أسمع فيه من الصحابة شيئاً وثانيها : روى عن الحسن أيضاً أنه قال : الضريع بمعنى المضرع كالأليم والسميع والبديع بمعنى المؤلم والمسمع والمبدع ، ومعناه إلا من طعام يحملهم على أن يضرعوا ويذلوا عند تناوله لما فيه من الخشونة والمرارة والحرار وثالثها : أن الضريع ما يبس من الشبرق ، وهو جنس من الشوك ترعاه الإبل ما دام رطباً ، فإذا يبس تحامته وهو سم قاتل ، قال أبو ذويب : رعى الشبرق الريان حتى إذا ذوي * وعاد ضريعاً عاد عنه النحائص جمع نحوص وهي الحائل من الإبل ، وهذا قول أكثر المفسرين وأكثر أهل اللغة ورابعها : قال الخليل في كتابه : ويقال للجلدة التي على العظم تحت اللحم هي الضريع ، فكأنه تعالى وصفه بالقلة ، فلا جرم لا يسمن ولا يغني من جوع وخامسها : قال أبو الجوزاء : الضريع السلا ، ويقرب منه ما روي عن سعيد بن جبير أنه شجرة ذات شوك ، ثم قال أبو الجوزاء : وكيف يسمن من كان يأكل الشوك ! وفي الخبر الضريع شيء يكون في النار شبيه الشوك أمر من الصبر ، وأنتن من الجيفة وأشد حراً من النار ، قال القفال : والمقصد من ذكر هذا الشراب وهذا الطعام ، بيان نهاية ذلهم وذلك لأن القوم لما أقاموا في تلك السلاسل والأغلال تلك المدة الطويلة عطاشاً جياعاً ، ثم ألقوا في النار فرأوا فيها ماء وشيئاً من النبات ، فأحب أولئك القوم تسكين ما بهم من العطش والجوع فوجدوا الماء حميماً لا يروي بل يشوي ، ووجدوا النبات مما لا يشبع ولا يغني من جوع ، فأيسوا وانقطعت أطماعهم في إزالة ما بهم من الجوع والعطش ، كما قال : * ( وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل ) * ( الكهف : 29 )